عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
411
اللباب في علوم الكتاب
يؤدّي إلى أن يكون ما بعد « إلّا » موافقا لما قبلها في المعنى ، والاستثناء يلزم أن يكون ما بعد إلا مخالفا لما قبلها فيه . فصل : الخلاف في القليل الوارد في الآية معنى الكلام : فلا يؤمن منهم إلّا أقوام قليلون ، واختلفوا في ذلك القليل : فقال بعضهم : هو عبد اللّه بن سلام ، ومن أسلم معه منهم . وقيل : القليل صفة للإيمان ، والتّقدير : فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا ، فإنّهم كانوا يؤمنون باللّه والتّوراة [ وموسى ] « 1 » ، والتّقدير : فلا يؤمنون إلا بموسى ، ولكنّهم كانوا يكفرون بسائر الأنبياء ، ورجّح أبو عليّ الفارسيّ هذا القول ؛ قال : لأن قَلِيلًا لفظ مفرد ، والمراد به الجمع ، قال - تعالى - : وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [ النساء : 69 ] ، وقال : وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ [ المعارج : 10 ، 11 ] فدلّ عود الذكر مجموعا إلى الآيتين على أنّه أريد بهما الكثرة . فصل : الاستدلال بالآية على جواز تكليف ما لا يطاق استدل بعض العلماء بهذه الآية مع الآية التي بعدها ، على جواز تكليف ما لا يطاق ؛ لأنه - تعالى - أخبر عنهم في هذه الآية بأنّهم لا يؤمنون ، وخبره - تعالى - صدق وحقّ ، ثم أمرهم في الآية التي بعدها بالإيمان ، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا فأمرهم بالإيمان مع إخباره بأنّهم لا يؤمنون . قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 47 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ( 47 ) « 2 » وذلك أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم كلّم أحبار اليهود : عبد اللّه بن صوريا ، وكعب بن الأشرف « 3 » ، فقال : يا معشر اليهود ، اتّقوا اللّه وأسلموا ، واللّه إنكم تعلمون أن الّذي جئتكم به الحقّ ، قالوا : ما نعرف ذلك ، وأصرّوا على الكفر ؛ فنزلت هذه الآية . فإن قيل : كان يجب أن يأمرهم بالنّظر والتفكّر في الدّلائل ، حتى يكون إيمانهم استدلاليّا ، فلما أمرهم بالإيمان ابتداء ؛ فكأنه - تعالى - أمرهم بالإيمان على سبيل التّقليد . فالجواب : أن هذا خطاب مع أهل الكتاب ، وكانوا عالمين بها في التّوراة ؛ ولهذا قال : مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ أي : من الآيات الموجودة في التّوراة الدّالة على نبوّة محمد - عليه الصلاة والسلام - .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : أسد .